الدليل الأكاديمي الشامل في التربية الوقائية (Preventive Education)

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
إشراقة معرفية ناشر موثوق

محتويات المقال

أرحب بكم مجدداً في مدونة إشراقة معرفية التربوية.

معكم الدكتورة فوزية آل مدهش الباحثة الأكاديمية في المناهج وطرق التدريس.

قضيت سنوات دراستي للدكتوراه أبحث في أعماق النظم التعليمية المعاصرة.

وتعلمت خلال مسيرتي أن التربية ليست مجرد تلقين للمعلومات وحشو للعقول.

بل هي حائط الصد الأول، والدرع الحصين الذي يحمي أبناءنا من مخاطر الحياة.

في عصرنا الحالي المليء بالتحديات والأزمات، تبرز الحاجة الماسة لتبني مفهوم جديد.

هذا المفهوم هو "التربية الوقائية" الذي يعد من أهم التوجهات العالمية الحديثة.

تسعى النظم التربوية لإكساب هذا التوجه للمتعلمين للتصدي للمشكلات والكوارث والمخاطر.

مخاطر قد يتعرضون لها في حياتهم الحاضرة والمستقبلية في أي لحظة.

سواء كان ذلك داخل جدران المؤسسة التعليمية أو خارجها في المجتمع المفتوح.

في هذا المقال الأكاديمي الدسم، سأفصل لكم هذا المفهوم من كافة زواياه وجوانبه.

مفهوم التربية الوقائية وتأصيلها العلمي

إن إدراك المفهوم هو الخطوة الأولى لتطبيقه بشكل سليم في الميدان.

عرفها المرسي (1999) بأنها مجموعة من المعارف والمهارات والاتجاهات المخططة.

التي يجب أن يلم بها التلاميذ ليسلكوا بطريقة صحيحة في حياتهم اليومية.

ومساعدتهم على اتخاذ القرارات المناسبة والسريعة لمواجهة المشكلات والأزمات.

والكوارث التي تؤثر فيهم بشكل مباشر، وتؤثر في المجتمع المحيط بهم.

وعرفها كل من عبد المهدي وزاهي (2014) تعريفا شاملا وعميقا جدا.

بأنها مجموعة الحقائق والمفاهيم والمهارات والاتجاهات والقيم الجوهرية.

التي يجب على الفرد أن يمتلكها في المجالات الصحية والاجتماعية والنفسية.

والمجالات التكنولوجية والكوارث المعاصرة التي يمكن أن تحدث في بيئته المحيطة.

من التعريفين السابقين يمكننا كباحثين استخلاص المعنى الحقيقي والنهائي.

التربية الوقائية تعني إكساب الطلاب السلوكيات التي تسهم في تدارك المشكلات.

تداركها قبل وقوعها للتغلب على ما ينجم عنها من آثار مدمرة وسلبية.

التربية الوقائية في ضوء الشريعة الإسلامية

لم تكن التربية الوقائية وليدة العصر الحديث أو نتاجا للفكر الغربي فقط.

بل سبقت الشريعة الإسلامية كافة النظم التربوية في إرساء دعائم الوقاية.

كما بينت الباحثة الزدجالية (2016) في دراستها العميقة حول هذا الموضوع.

أولاً: المنهج الوقائي في القرآن الكريم

يعمد المنهج التربوي القرآني إلى تجنيب الفرد والمجتمع كل أسباب الهلاك.

يتجنب العوامل المؤدية إلى المرض سواء كانت في مجال العقيدة أو العبادات.

وسواء كانت على مستوى الفرد في خاصة نفسه، أو المجتمع في علاقاته.

شملت الوقاية القرآنية الجانب النفسي والفكري والجسمي والعقلي والخلقي.

وذلك حتى يكون الأصل في حياة الناس هو العافية التامة وليس المرض.

وحتى لا يتحول المجتمع بفعل الأمراض الناتجة عن مخالفة الأوامر إلى مصح كبير.

مصح تصرف فيه الطاقات البشرية والمادية والمعنوية نحو العلاج بدلا من البناء.

والشواهد من القرآن الكريم خير دليل على المنهج الوقائي المتين:

  • في مجال الوقاية من الانحراف العقدي والقول الباطل، قال تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [الحج: 30].
  • وفي مجال حماية العقل من المذهبات ومظاهر الجاهلية المدمرة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 90].
  • وفي الوقاية التربوية العامة للأسرة التي هي نواة المجتمع، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم: 6].

ثانياً: المنهج الوقائي في السنة النبوية الشريفة

السنة النبوية زاخرة بالتدابير والتوجيهات والوصايا الوقائية العظيمة.

مما يؤكد أن عملية التربية في الإسلام تهدف إلى قطع الطريق على العلة.

وتقي الأفراد والمجتمع من الكوارث قبل وقوعها وتفاقم أضرارها.

ومن الشواهد النبوية العظيمة في هذا الجانب الوقائي:

  • في مجال حفظ العقيدة والأنفس والأموال، قوله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات).
  • وفي مجال الوقاية من الظلم الذي يدمر المجتمعات: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم).
  • وفي مجال حفظ العلاقات الاجتماعية والنفسية: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا).

التمسك بالكتاب والسنة يحقق التربية الوقائية الشاملة في كافة المجالات الإنسانية.

الأبعاد الثلاثة المتكاملة للتربية الوقائية

لكي تنجح التربية الوقائية في إحداث أثر حقيقي ومستدام في شخصية المتعلم.

يجب أن تتناول ثلاثة أبعاد رئيسية لا يمكن فصل أحدها عن الآخر أبدا.

1- البعد المعرفي (الإدراك والفهم)

الوقاية تبدأ من المعرفة الصحيحة والدقيقة بطبيعة الخطر وكيفية تجنبه.

يتم في هذا البعد تزويد المتعلم بالمعارف والمعلومات الخاصة بالأزمات.

كالتعرف على أسباب الأمراض، ومخاطر الإدمان، ومسببات الكوارث الطبيعية.

المعلومة الصحيحة هي السلاح الأول في مواجهة أي خطر داهم.

2- البعد المهاري (التطبيق والممارسة)

المعرفة وحدها لا تكفي إن لم تترجم إلى مهارة عملية وسلوك تطبيقي.

يتم هنا تقديم الخبرة والتدريب لممارسة السلوك الصحيح على أرض الواقع.

مثل التدريب على الإخلاء أثناء الحرائق، ومهارات الإسعافات الأولية.

وكذلك مهارات الرفض الإيجابي (كيف تقول لا لرفقاء السوء بوضوح).

3- البعد الوجداني (القيم والاتجاهات)

هو المحرك الداخلي الذي يدفع المتعلم لتطبيق ما عرفه وتعلمه وتدرب عليه.

ويعنى بتكوين الاهتمامات العلمية والاتجاهات والقيم الأخلاقية الراسخة.

التي تحكم سلوك المتعلمين، وتخلق لديهم رقابة ذاتية واعية وحية.

المجالات الحيوية للتربية الوقائية المعاصرة

تتعدد مجالات التربية الوقائية بتعدد المشكلات والقضايا التي نواجهها يوميا.

وبعد استقراء الأدبيات الأكاديمية كدراسة خليل (2020) وعبد النبي (2021).

صنفت الباحثة مجالات التربية الوقائية إلى ثلاثة قطاعات رئيسية مهمة:

أولاً: التربية الصحية (Health Education)

تهدف لتزويد الفرد بالمعلومات والحقائق الصحية الأساسية لحياة سليمة.

وتشمل التربية الصحية أربعة فروع غاية في الأهمية:

  • الصحة الجسمية: كالمعرفة بسبل الوقاية من الأمراض المعدية والفيروسات، وخدمات العلاج المجتمعي.
  • الصحة النفسية: كالمعرفة بالأمراض النفسية كالاكتئاب والقلق، وكيفية التحكم في الانفعالات وإدارة الضغوط.
  • الصحة العقلية: حماية العقل من المذهبات كالتوعية الصارمة والمبكرة بأضرار المخدرات والمسكرات المدمرة.
  • التغذية الصحية: إكساب الفرد عادات غذائية سليمة تحميه من أمراض العصر كالسمنة والسكري وسوء التغذية.

ثانياً: التربية البيئية (Environmental Education)

تهدف إلى تزويد الطلاب بالحقائق عن البيئة وعناصرها الحيوية الدقيقة.

تنمية وعيهم بالمشكلات البيئية كالتلوث المائي والهوائي والاحتباس الحراري.

تنمية قدراتهم على التصدي لهذه المشكلات والمساهمة في حماية بيئتهم.

ويندرج تحتها حديثا حماية الطلبة من أضرار التكنولوجيا والنفايات الرقمية.

والوقاية من التنمر الإلكتروني وإدمان الشاشات الذي يدمر صحتهم.

ثالثاً: التربية الأخلاقية والقيمية (Ethic Education)

وتهدف إلى تزويد الطلاب بالمبادئ والمعايير الموجهة والضابطة لسلوكهم.

حمايتهم من الوقوع في الانحرافات الفكرية والسلوكية بمختلف درجاتها.

كالوقوع في الجريمة المنظمة أو التطرف الفكري أو الإرهاب الأعمى.

وقد أثبتت دراسة شوكت (2018) فاعلية القيم في حماية الطلبة من الجريمة.

ومن هذه القيم الواقية: الولاء للوطن، الأمانة، احترام الممتلكات العامة.

دور المناهج وطرق التدريس في تفعيل التربية الوقائية

تعتبر المناهج الدراسية هي أداة المجتمع التنفيذية في تربية ووقاية أفراده.

لذا لابد أن يكون المنهج المدرسي بجميع عناصره فاعلا ونشطا وحيويا.

وحتى تؤدي المناهج دورها المطلوب، لابد من اتباع التوصيات الأكاديمية التالية:

  • صياغة الأهداف: تضمين المنهج أهدافا تتعلق بالتربية الوقائية تشمل أبعادها المعرفية والمهارية والوجدانية.
  • الوسائط الرقمية: احتواء المنهج على أفلام تعليمية تفاعلية ومقررات إلكترونية تحاكي الكوارث لتنمية الوعي.
  • الصور والرسومات: توافر صور تدعم الغذاء الصحي والعادات السليمة، خاصة في مناهج العلوم والمهارات الحياتية.
  • الشمولية: تغطية كافة مسارات التربية الوقائية (الصحية، الغذائية، الأخلاقية، البيئية، والأمنية) بتوازن دقيق.
  • الخبرة المباشرة: ارتباط محتوى المنهج بالبيئة المحلية المحيطة للطالب لتكون المشكلات واقعية وليست خيالية.
  • الجوائح والأوبئة: تزويد المناهج بأنشطة حول الإجراءات الاحترازية للحماية من الفيروسات سريعة الانتشار كدروس عملية.
  • الرحلات الميدانية: تضمين المنهج خطة لزيارة الأماكن الصحية والبيئية لتكوين اتجاه إيجابي عملي لدى المتعلمين.
  • إعادة هيكلة المحتوى: تقديم المحتوى الوقائي إما كمدخل متكامل، أو مدخل تشريبي (مدمج)، أو كوحدات دراسية مستقلة.
  • التنقيح الفكري: تطهير المناهج من أي أفكار تدعو للتطرف وتطويرها بما يخدم قيم الوسطية والاعتدال والتسامح المطلق.
  • الممارسة السلوكية: ربط كل معلومة نظرية تدرس في المنهج بواقع ملموس لتتحول المعرفة إلى ممارسة وسلوك يومي معتاد.
  • التكامل بين التخصصات: تفعيل التربية الوقائية في جميع المواد؛ في التربية الإسلامية تدرس الأحكام لحفظ الضرورات، وفي اللغة العربية تناقش في نصوص القراءة، وفي العلوم تدرس فسيولوجيا الأمراض، وفي الرياضيات تحسب الخسائر الاقتصادية للكوارث، وفي التربية الفنية ترسم اللوحات التوعوية.

خلاصة وتوصيات أكاديمية

التربية الوقائية ليست ترفا فكريا يمكن للمؤسسات التعليمية الاستغناء عنه.

بل هي ضرورة بقاء، وحاجة ملحة تفرضها طبيعة العصر المتسارعة والمضطربة.

الاستثمار في الوقاية داخل الفصول الدراسية يوفر على الدول مليارات الدولارات.

أموال كانت ستنفق في علاج المدمنين، أو إصلاح التخريب، أو مكافحة الجريمة.

أتمنى أن يكون هذا الدليل الأكاديمي شاملا ومفيدا لكل باحث ومعلم ومربي.

شكرا لمتابعتكم الدائمة لمدونة إشراقة معرفية، وأرحب بتعليقاتكم واستفساراتكم.

المراجع العلمية المعتمدة في هذا المقال

  • خليل، سحر (2020). الدور المقترح للمؤسسات التعليمية في تفعيل التربية الوقائية لمواجهة الحروب البيولوجية. مجلة كلية التربية بالإسماعيلية، (48)، 258-305.
  • الدفراوي، نرمين، وعبد الله، عزة (2019). مقرر في التربية الوقائية قائم على أنشطة المهارات الحياتية. مجلة كلية التربية، 29(5)، 405-456.
  • الزدجالية، ندى (2016). مدى تضمين كتب التربية الإسلامية بالحلقة الثانية لمفاهيم التربية الوقائية في ضوء مقاصد الشريعة. رسالة ماجستير، جامعة السلطان قابوس.
  • شوكت، فاطمة (2018). دور القيم الاجتماعية في الوقاية من الجريمة: دراسة ميدانية على طلاب جامعة سبها. مجلة العلوم الإنسانية، 17(1)، 99-117.
  • عبد العظيم، صبري، وحمدي، أحمد (2015). المؤسسة التعليمية ودورها في إعداد القائد الصغير. المجموعة العربية.
  • عبد النبي، كمال (2021). دراسة تحليلية لبعض ملامح التربية الوقائية في الإسلام في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد. رابطة التربويين العرب، (137)، 81-138.
  • عبد المهدي، عباس، وزاهي، قحطان (2014). دراسة مفاهيم التربية الوقائية والتقانات البيولوجية بكتب الأحياء للمرحلة المتوسطة. مجلة كلية التربية للعلوم الإنسانية، 8(15).
  • الفقي، شريف (2018). التربية الوقائية بالمدارس وحماية النشء من التعاطي. المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 15(2).
  • المرسي، نجاح (1999). فعالية برنامج مقترح في التربية الوقائية على تنمية المفاهيم لدى تلاميذ المرحلة الإعدادية. المؤتمر العلمي الثالث، الجمعية المصرية للتربية العلمية.
  • هاشم، إبراهيم (2010). برنامج مقترح لتنمية مفاهيم التربية الوقائية بالعلوم لدى طلاب الصف التاسع الأساسي. رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة.
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات