أرحب بكم مجددا في مدونة إشراقة معرفية.
معكم الدكتورة فوزية آل مدهش الباحثة والأكاديمية.
تعتبر المناهج التعليمية أداة التربية الأولى في تحقيق أهدافها.
وهي الوسيلة التي تساعد المجتمع في تحقيق طموحاته.
وتسهم في إعداد أفراده الإعداد السليم والفعال للمستقبل.
ولكي تؤدي المناهج دورها التربوي المنشود بكفاءة عالية.
لابد أن تبنى بناء جيدا وتقوم على أسس واضحة وقوية.
تعمل بمثابة المصادر والمحددات لتلك المناهج الدراسية.
ويعد الأساس النفسي أحد أهم هذه الأسس التربوية.
الذي ينبغي على واضعي المناهج أخذه في الاعتبار دائما.
يشير الأساس النفسي إلى المبادئ التي توصلت إليها بحوث علم النفس.
حول طبيعة المتعلم، وخصائص نموه، وحاجاته، وميوله، واستعداداته.
والتي تترجم بعد ذلك إلى ممارسات تدريسية داخل البيئة الصفية.
تعدد المدارس النفسية وتأثيرها على التعليم
من المعروف أن علم النفس يعتبر من أكثر العلوم تعقيدا وتشعبا.
مما يجعل من الصعب تفسير السلوك الإنساني بنظرية واحدة فقط.
تأتي صعوبة التفسير من تنوع أنماط السلوك التي يمارسها الإنسان.
ترتب على ذلك أن تعددت المدارس وتنوعت الاتجاهات وكثرت النظريات.
من الاتجاهات الرئيسية في تفسير الظواهر: السلوكي والمعرفي.
يؤكد الاتجاه السلوكي على أثر البيئة والمثيرات الخارجية حصرا.
دون الاهتمام بالكيفية التي يتم بها معالجة المعلومات داخل العقل.
بينما يؤكد علم النفس المعرفي على البنية العقلية الداخلية للفرد.
من حيث تناول المعلومات والتعامل معها وكيفية انتقالها.
وكذلك الكيفية التي يتم بها تخزين المعلومات وتنظيمها في الذاكرة.
ما هو علم النفس المعرفي أكاديميا؟
ظهرت عدة تعريفات أكاديمية لعلم النفس المعرفي.
كان أبرزها تعريف نيسر (Neisser, 1967) الذي يعتبر مؤسس هذا العلم.
عرفه بأنه "جميع العمليات التي يتم من خلالها نقل المدخلات الحسية".
وتحويلها، واختصارها، وتوضيحها، وتخزينها، واستعادتها، واستعمالها.
كما عرفه العالم سولسو بأنه دراسة كيفية اكتساب المعرفة عن العالم.
وللكيفية التي نتمثل بها هذه المعلومات ونحولها لمعرفة مفيدة.
من هذه التعريفات، نستنتج كباحثين النقاط الجوهرية التالية:
- أنه علم يدرس العمليات العقلية المعرفية المعقدة لدى الفرد.
- أن المعرفة هي موضوع اهتمامه الأول وليس السلوك الظاهري.
- يعنى بجميع العمليات العقلية كالإدراك، الانتباه، التذكر، والتفكير.
المراحل التاريخية لتطور علم النفس المعرفي
من خلال استقراء الأدبيات (الزغول؛ الشرقاوي)، صنفت المراحل كالتالي:
المرحلة الأولى: اقتران علم النفس بالفلسفة
كان علم النفس تحت مظلة الفلسفة التي كانت تدعى بأم العلوم.
كانت المناقشات حول أصل المعرفة جدلية وفلسفية بحتة.
فظهر الاتجاه العقلاني لأفلاطون، والاتجاه التجريبي لجون لوك.
المرحلة الثانية: استقلال علم النفس عن الفلسفة
في عام 1879م أسس فونت أول معمل لعلم النفس التجريبي بألمانيا.
استخدم فونت وتلاميذه طريقة "الاستبطان" لدراسة مضمون الشعور.
وهو ما مهد الطريق لدراسة العمليات الذهنية الداخلية.
المرحلة الثالثة: سيطرة المدرسة السلوكية المطلقة
هاجم علماء النفس الأمريكيون بقيادة واطسون منهج الاستبطان.
رفضوا دراسة العمليات العقلية لافتقارها للموضوعية القابلة للقياس.
تركز اهتمامهم على السلوك الظاهر فقط (المثير والاستجابة).
فساد علم النفس السلوكي واختفى علم النفس المعرفي مؤقتا.
المرحلة الرابعة: التمرد على السلوكية وعودة المعرفة
بدأ علماء كجان بياجيه بالبحث حول العمليات المعرفية للطفل.
فظهرت نظرية الجشطلت التي أكدت أن الإنسان يتعلم بالاستبصار.
وظهرت نظرية بياجيه في الارتقاء والنمو المعرفي للإنسان.
وبرزت أبحاث تشومسكي في اللغويات التي رفضت التفسير السلوكي للغة.
المرحلة الخامسة: ثورة معالجة المعلومات
تطور هذا المجال خلال الحرب العالمية الثانية بشكل كبير جدا.
ظهرت الحاجة لدراسة الانتباه الموزع لدى الطيارين على الرادارات.
استفاد علماء النفس من علوم هندسة الاتصالات ونظرية المعلومات.
المرحلة السادسة: التعمق واستعارة مفاهيم الحاسب
مع تطور الحواسيب، أدرك العلماء التشابه بين عمل العقل والحاسب.
كلاهما يستقبل المدخلات، يعالجها، يخزنها، ويخرجها كاستجابة.
تمت استعارة مفاهيم التشفير والترميز والذاكرة من علوم الحاسب.
علاقة علم النفس المعرفي بمنظومة التدريس الفعال
بالرغم من بزوغ هذا العلم في الخمسينات وتصدره للمشهد.
إلا أن معالم تأثيره على التصميم التدريسي لم تظهر إلا بالسبعينات.
حيث تحولت الأنظار من الممارسات السلوكية التي تركز على الحفظ.
إلى الاهتمام بالعمليات العقلية وكيفية استغلالها لإحداث تعلم فعال.
استفاد مصممو التدريس مما توصلت إليه نظرية معالجة المعلومات.
وتم تطبيق نتائج البحوث الأمبريقية في توجيه تصميم المناهج.
لتوضيح العلاقة، سنحلل منظومة التدريس في ضوء افتراضات هذا العلم.
تأثير المعرفية على مدخلات النظام التدريسي
1- دور المعلم في ضوء المعرفية
- يطرح أسئلة مفتوحة ومثيرة تحفز الطلبة على التفكير العميق.
- يستخدم استراتيجيات متمركزة حول الطالب كالاكتشاف وحل المشكلات.
- يعطي الطلبة "وقت انتظار" كافيا بعد طرح الأسئلة لمعالجة المعلومات.
- يراعي الفروق الفردية في سرعة المعالجة وسعة الذاكرة العاملة.
- ينوع في أساليب عرض المعلومات (بصري، سمعي، حركي) لتقليل العبء المعرفي.
2- دور المتعلم في ضوء المعرفية
- متعلم نشط يبني معرفته ولا يكتفي بالتلقي السلبي للمعلومات.
- يربط بفاعلية بين معارفه السابقة والمعلومات الجديدة المقدمة له.
- يطور استراتيجيات تعلم خاصة به كالتلخيص والترميز والخرائط الذهنية.
- يمارس استراتيجيات "ما وراء المعرفة" ليراقب ويقيم فهمه الشخصي.
3- بيئة التعلم في ضوء المعرفية
- بيئة منظمة تقلل من المشتتات التي تعيق عملية الانتباه والانتقاء.
- بيئة محفزة توفر مثيرات غنية تساعد على استدعاء الخبرات السابقة.
تأثير المعرفية على عمليات النظام التدريسي
1- صياغة الأهداف التعليمية
- تجاوز أهداف الحفظ والتذكر (التي ركزت عليها السلوكية).
- التركيز بقوة على الأهداف المعرفية العليا كالتحليل والتركيب والتقويم.
2- تنظيم المحتوى الدراسي
- تقديم المحتوى بشكل متسلسل يراعي البنية المعرفية للمتعلم.
- الجمع المتوازن بين التنظيم المنطقي للمادة والتنظيم السيكولوجي للطالب.
- استخدام المنظمات المتقدمة (التمهيد) قبل عرض التفاصيل المعقدة.
3- استراتيجيات طرق التدريس
- تطبيق التعلم التعاوني الذي يتيح التفاوض المعرفي بين الأقران.
- استخدام الخرائط المفاهيمية لتنظيم المعلومات في الذاكرة طويلة المدى.
4- أساليب التقويم الحديثة
- التخلي عن الاختبارات الموضوعية التي تقيس الاسترجاع الآلي فقط.
- تبني التقويم الواقعي والبديل الذي يقيس مهارات التفكير العليا.
- استخدام ملفات الإنجاز وتقويم الأقران والتقويم الذاتي للمتعلم.
الخاتمة والتوصيات التربوية
إن فهم المبادئ التي أرساها علم النفس المعرفي ضرورة حتمية.
ضرورة لكل معلم، ومصمم مناهج، وباحث في الحقل التربوي.
فهو ينقلنا من النظرة الميكانيكية للتعليم إلى النظرة العقلية العميقة.
أتمنى أن يكون هذا المقال قد أوضح لكم جذور ممارساتنا الصفية.
شكرا لمتابعتكم الدائمة لمدونة إشراقة معرفية.
وأرحب بنقاشاتكم حول تطبيقات هذا العلم في التعليقات.
المراجع العلمية المعتمدة
- الزغول، رافع، والزغول، عماد (2003). علم النفس المعرفي. دار الشروق.
- زيتون، كمال (2003). التدريس: نماذجه ومهاراته. عالم الكتب.
- سولسو، روبرت (2000). علم النفس المعرفي. مكتبة الأنجلو المصرية.
- الشرقاوي، أنور (2003). علم النفس المعرفي المعاصر. مكتبة الأنجلو.
- العتوم، عدنان (2012). علم النفس المعرفي: النظرية والتطبيق. دار المسيرة.
- العدوان، زيد، والحوامدة، محمد (2015). تصميم التدريس بين النظرية والتطبيق.
- قطامي، يوسف، وأبو جابر، ماجد (1996). الأسس المعرفية في تصميم التدريس. حولية كلية التربية.
التعليقات