أرحب بكم مجددا في مدونة إشراقة معرفية التربوية.
معكم الدكتورة فوزية آل مدهش الباحثة الأكاديمية في العلوم التربوية.
تعتبر مرحلة اختيار موضوع البحث العلمي من أصعب وأدق المراحل التي يمر بها طالب الدراسات العليا.
خاصة عندما نتحدث عن تخصص حيوي، وشامل، ومتجدد دائما مثل تخصص المناهج وطرق التدريس.
هذا التخصص العريق يعتبر القلب النابض والمحرك الأساسي لأي نظام تعليمي ناجح ومتطور يسعى لبناء أجيال المستقبل.
اليوم سأضع بين أيديكم خريطة أكاديمية مفصلة وشاملة لكافة مجالات البحث في هذا التخصص الدقيق.
ما هو البحث في المناهج وطرق التدريس؟
البحث في المناهج وطرق التدريس هو أحد أهم فروع البحث التربوي الميداني.
يهتم بدراسة القضايا والمشكلات التربوية المتشعبة في مجال المناهج الدراسية وطرق تدريسها.
وهو من أكثر مجالات البحث التربوي تعددا واتساعا على الإطلاق.
وذلك نظرا لتعدد مباحثه وميادينه وفقا لتعدد المواد التخصصية داخل هذا القسم الكبير.
فهناك مناهج وطرق تدريس اللغة الإنجليزية، واللغة العربية، والعلوم، والرياضيات، والتربية الإسلامية، وغيرها.
كل تخصص فرعي يحمل في طياته هموما ومشكلات بحثية فريدة تحتاج للدراسة والتقصي المستمر.
ويرى الباحث الدكتور مجدي المهدي (2019) أنه من الصعب جدا حصر جميع المجالات البحثية الدقيقة.
المجالات التي يتناولها كل تخصص فرعي تتجدد بتجدد المعرفة وتطور العصر التكنولوجي.
ولكن يمكن إيراد وتلخيص بعض النقاط والأولويات البحثية العامة والأساسية.
هذه الأولويات تشترك فيها كل التخصصات التربوية بمختلف فروعها الأكاديمية.
وقد أجملها الدكتور المهدي في ستة مجالات رئيسية تشكل الإطار العام للقسم.
وبالاستفادة مما أورده المهدي، أضع لكم بصفتي باحثة تفصيلا دقيقا للموضوعات البحثية تحت كل مجال.
1- مجال الأهداف التعليمية والتربوية
الأهداف هي الغايات التي يسعى النظام التعليمي لتحقيقها، وبدونها يفقد التعليم بوصلته الموجهة.
ويتضمن البحث في هذا المجال الحيوي نقاطا بحثية عديدة وعميقة منها:
- دراسة مدى الترابط والتكامل بين موضوعات المقرر الدراسي وأهدافه المسطرة، للتأكد من أن المحتوى يخدم الغاية ولا يغرد خارج السرب.
- قياس مدى تحقق الأهداف العامة لتدريس المادة من وجهة نظر العاملين في المجال التعليمي كالأساتذة والموجهين والخبراء التربويين.
- تحليل أهداف المقررات الدراسية الحالية في ضوء الأهداف الإقليمية أو المعايير الدولية العالمية المعتمدة لضمان جودة التعليم.
- مقارنة الأهداف بخصائص المتعلمين النمائية، وفلسفة التربية الوطنية، وطبيعة المعرفة العلمية التخصصية الحديثة.
- تقويم أهداف المناهج الدراسية في ضوء التوجهات التربوية الحديثة كمهارات القرن الحادي والعشرين ومتطلبات وتحديات العصر الرقمي.
2- مجال المقررات الدراسية وتطوير محتواها
المقرر الدراسي هو الوعاء الذي يحمل المعرفة للمتعلم، وتحديثه يعد ضرورة حتمية لمواكبة الانفجار المعرفي.
ومن أهم الموضوعات القابلة للبحث الأكاديمي في هذا المجال الواسع ما يلي:
- دراسة التكامل الرأسي والأفقي بين المقررات الدراسية المختلفة في المستوى الواحد، وفي السنوات الدراسية المتتابعة لضمان عدم التكرار.
- تقويم محتوى المقررات الدراسية الحالية في ضوء معايير علمية وتربوية معينة كمعايير الجودة الشاملة للتعليم.
- إعداد وبناء وحدات دراسية مقترحة في موضوعات معينة لمراحل تعليمية مختلفة باستخدام نماذج تصميم تعليمي حديثة كنموذج (ADDIE).
- قياس اتجاهات المعلمين أو المتعلمين نحو بعض القضايا الجدلية الحديثة التي تطرحها هذه المقررات في محتواها النظري.
- تحليل محتوى المقررات الدراسية في ضوء التوجهات التربوية الحديثة كالتنمية المستدامة ومتطلبات سوق العمل المحلي والعالمي.
3- مجال طرق التدريس وأساليبه ومهاراته
الطريقة التي يوصل بها المعلم المعلومة تلعب الدور الأكبر في بقاء أثر التعلم، وهذا المجال هو الأكثر جذبا للباحثين.
ويتضمن هذا المجال موضوعات تطبيقية وميدانية عديدة نذكر منها بوضوح:
- الكشف عن اتجاهات المتعلمين وميولهم نحو بعض الاستراتيجيات والطرق والأساليب الحديثة المتبعة داخل الغرف الصفية.
- تصميم وتطبيق الأساليب والطرق والاستراتيجيات الحديثة في التدريس كالتعلم المقلوب، والتعلم القائم على المشاريع، والتعليم المتمايز.
- الكشف التجريبي عن فاعلية بعض الاستراتيجيات والأساليب المتبعة في التدريس وأثرها في رفع مستوى التحصيل وبقاء أثر التعلم.
- تقويم مهارات التدريس الأساسية وكفاياته المهنية لدى المعلمين قبل الخدمة (الطلاب المعلمين) وأثناء الخدمة لتحديد البرامج التدريبية اللازمة.
- دراسة أثر استخدام استراتيجيات التعلم النشط في تنمية مهارات التفكير العليا كالتفكير الناقد والتفكير الإبداعي لدى المتعلمين.
4- مجال الوسائل والأنشطة التعليمية المساندة
الوسيلة التعليمية تنقل التعلم من التجريد اللفظي إلى المحسوس المادي، وتعمق فهم الطالب للمصطلحات الصعبة.
وهناك العديد من الموضوعات الخصبة في هذا المجال نذكر منها على سبيل المثال:
- الكشف الميداني عن فاعلية الأنشطة اللاصفية بأنواعها المختلفة وأثرها المباشر في التحصيل والتعلم وتعديل السلوك لدى المتعلمين.
- التعرف على الوسائل التعليمية التكنولوجية الحديثة (كالواقع المعزز والافتراضي) ودراسة معوقات تطبيقها في المدارس.
- قياس اتجاهات المعلمين والمتعلمين نحو توظيف التقنيات التعليمية الحديثة والذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية.
- تقويم أدلة المعلمين المرافقة للمناهج في ضوء معايير عالمية للتأكد من قدرتها على توجيه المعلم التوجيه التربوي السليم.
- إعداد أدلة حديثة ومقترحة في ضوء التوجهات التربوية الحديثة للمقررات الدراسية لتكون مرجعا شاملا للمعلم في الميدان.
5- مجال أساليب التقويم التربوي وأدواته
التقويم هو الذي يصدر الحكم النهائي على نجاح المنهج أو فشله، وهو الأداة التي تقيس مستوى تحقيق الأهداف.
ومن الموضوعات البحثية بالغة الأهمية في هذا المجال الميداني ما يلي:
- الكشف عن مدى تضمين الأساليب الحديثة في التقويم وأدواته (كالتقويم الواقعي، والتقويم البديل، وملفات الإنجاز) في المقررات الدراسية.
- تقويم أساليب التقويم التقليدية المتبعة حاليا في ضوء الأسس العلمية للتقويم التربوي الشامل والمستمر للطلاب.
- بناء وتطوير اختبارات تحصيلية موضوعية ومقننة في المواد المختلفة، وحساب معاملات صدقها وثباتها إحصائيا لتكون مرجعا للقياس.
- بناء مقاييس نفسية وتربوية ثابتة وصادقة لقياس الميول، والاتجاهات، والدافعية نحو مواد ومقررات تعليمية بعينها.
- دراسة فاعلية استخدام التقويم الذاتي وتقويم الأقران في تحسين جودة التعلم ورفع مستوى تحمل المسؤولية لدى المتعلمين.
6- مجال نواتج التعلم وصعوباته الأكاديمية
هذا المجال يدرس الثمرة النهائية للعملية التعليمية، ويبحث في المعوقات التي تحول دون قطف هذه الثمرة بشكل سليم.
وفي هذا المجال العديد من الموضوعات البحثية الاستكشافية والعلاجية، منها على سبيل المثال لا الحصر:
- دراسة العوامل النفسية والاجتماعية والمدرسية المسؤولة عن ظاهرة التأخر الدراسي وتدني التحصيل في مراحل التعليم المختلفة.
- تشخيص المفاهيم العلمية الخاطئة (التصورات البديلة) في المواد التعليمية المختلفة واقتراح استراتيجيات تصحيحية لعلاجها وتصويبها.
- دراسة العلاقة الارتباطية بين اتجاهات المتعلمين، أو ميولهم، أو استعداداتهم الأكاديمية، وبين مستوى تحصيلهم في الاختبارات.
- الكشف عن صعوبات التعلم الأكاديمية (كصعوبات القراءة والكتابة والرياضيات) وتصميم برامج تدخل علاجي مبكر لمساندة الطلاب.
- دراسة ظاهرة قلق الاختبار والضغوط النفسية المرافقة للتقييم، وأثرها السلبي على الأداء النهائي للمتعلمين في الامتحانات الرسمية.
خلاصة وتوصيات أكاديمية للباحثين
مما سبق تفصيله، يمكن القول بثقة منهجية إنه ينبغي على الباحث أن يحدد أولا المجال الرئيسي الذي يريد الخوض فيه.
ثم يتأمل بتمعن وقراءة ناقدة ما ورد في هذا المجال المختار من اتجاهات تربوية عالمية حديثة.
ويتابع ما استجد فيه من نظريات أكاديمية وتطبيقات ميدانية منشورة في المجلات المحكمة.
حتى يتسنى له اختيار وتحديد موضوع بحثي فريد يتسم بالأصالة والابتكار والفائدة التطبيقية.
موضوع يساير ما يجري في المجال التربوي من مستجدات، وما يحدث في المجتمع من تغيرات وتطورات تكنولوجية متسارعة.
وعند الشروع الفعلي في كتابة خطة البحث في قسم المناهج وطرق التدريس، ينبغي الإلمام التام بالعناصر الأساسية.
سواء أكان العمل بحث ماجستير تكميلي، أو أطروحة دكتوراه عميقة، أو بحثا معدا للنشر في المجلات العلمية التربوية.
أو حتى ورقة عمل للمشاركة الفعالة في المؤتمرات التربوية المحلية أو الإقليمية أو العالمية.
أتمنى أن تكون هذه الإشراقة المعرفية دليلا ينير طريق كل باحث تربوي يسعى للتميز والإبداع.
المراجع العلمية المعتمدة
استند هذا المقال الأكاديمي في هيكلته الأساسية على المرجع التربوي التالي:
- المهدي، مجدي (2019). مناهج البحث التربوي. دار الفكر العربي.
التعليقات