أرحب بكم مجددا في مدونة إشراقة معرفية.
معكم الدكتورة فوزية آل مدهش الباحثة والأكاديمية.
شهد القرن الحادي والعشرون تحديات عالمية عديدة ومتسارعة جدا.
كان من أهم هذه التحديات ثورة المعلومات والاتصالات التي غيرت وجه العالم.
أدت هذه الثورة التكنولوجية غير المسبوقة إلى خلق العديد من الفرص الواعدة للمجتمعات.
وعلى رأسها استغلال تلك الثورات في دفع عجلة التقدم والتطور في شتى المجالات.
فظهر نتيجة لذلك نموذج جديد للنمو الاقتصادي يختلف عن النماذج التقليدية.
هذا النموذج يقوم بشكل أساسي على إنتاج المعرفة والابتكار المستمر.
ويطلق عليه في الأوساط الأكاديمية والعالمية اسم الاقتصاد المعرفي أو اقتصاد المعرفة.
التحول الحتمي نحو مجتمع المعرفة
لم يعد التوجه نحو هذا الاقتصاد ترفا بل أصبح ضرورة حتمية ومسألة بقاء.
فقد أصبحت الدول تصنف حاليا إلى دول غنية في الإنتاج وأخرى فقيرة.
الدول الغنية هي التي تعتمد على الإبداع والابتكار والاستثمار الأمثل للقدرات العقلية.
بينما الدول الفقيرة هي التي ما زالت تعتمد على استنزاف مواردها الطبيعية فقط.
أصبحت المعرفة العلمية اليوم سلعة اقتصادية استراتيجية تزيد من قوة الدول.
وأصبح الاستثمار الأول والأهم هو الاستثمار في رأس المال البشري المبدع.
لأن العقل البشري هو الذي يبتكر ويوجه ويسير رأس المال المادي والمعدات.
الجذور التاريخية للاهتمام بالمعرفة الإنسانية
لا يعني ظهور مفهوم الاقتصاد المعرفي حديثا أن المعرفة برزت متأخرا.
بل هي موجودة ومترسخة منذ أن وجد الإنسان على وجه الأرض ورافقته طيلة حياته.
لقد اهتم المسلمون الأوائل بالمعرفة وتطبيقاتها العملية اهتماما بالغا.
وجاء القرآن الكريم مركزا على جانب المعرفة والبحث والتفكر في ملكوت الله.
موضحا الفرق الشاسع بين الشخص الذي يدرك ويعرف وبين الذي لا يدرك.
يتجلى ذلك بوضوح في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ).
ولكن الاهتمام بالمعرفة زاد بشكل مكثف في العقود الأخيرة.
وذلك بعد أن مهدت ثورة المعلومات الطرق وكسرت الحواجز.
وقربت تقنية الاتصالات الحديثة المسافات للحصول على المعرفة وتبادلها لحظيا.
الفروق الجوهرية بين البيانات والمعلومات والمعرفة
يؤكد الباحثون في حقل المعرفة والعلوم الإدارية على ضرورة بيان العلاقة بين المفاهيم.
البيانات هي المواد الأولية الخام كالحقائق والأرقام غير المنظمة.
وهي في صورتها المجردة ليس لها معنى واضح يمكن الاستناد عليه.
وتحتاج هذه البيانات إلى تنظيم وتصنيف ومعالجة دقيقة لتصبح معلومات مفيدة.
ثم تأتي المعرفة في قمة الهرم لتمثل الحقائق الناتجة عن الاستخدام الكامل للمعلومات.
المعرفة هي نتاج الخبرة العملية والتعلم التراكمي والمعلومات المنظمة والمحللة.
تصبح هذه المعلومات مفهومة وقابلة للتطبيق الفعلي في حل المشكلات.
أي أن المعرفة هي المرحلة الأخيرة والأرقى من تحول البيانات إلى معلومات.
خصائص المعرفة مقارنة بالمعلومات
أهم ما يميز المعرفة عن المعلومات والبيانات أن المعرفة ديناميكية حية.
تعتمد على الأفراد بشكل أساسي، فهي ضمنية وتسكن عقول البشر وتناظرية.
يجب إعادة تكوينها وصياغتها باستمرار وتستمد معانيها وقيمتها من الأفراد.
أما المعلومات بصفة عامة فهي ساكنة ومستقلة عن الأفراد، وصريحة ومكتوبة.
وهي سهلة الاستنتاج والنقل والعرض عبر الوسائط المتعددة دون تدخل بشري عميق.
المفهوم الأكاديمي الشامل للاقتصاد المعرفي
حظي مفهوم الاقتصاد المعرفي بتعريفات أكاديمية متعددة ومهمة.
عرفه الباحث فوراي بأنه الاقتصاد الذي يشير إلى انتقاء المعارف.
وانتقاء ما يمكن توظيفه من هذه المعارف في تحسين نوعية حياة أفراد المجتمع.
وهو الاقتصاد الذي يسعى نحو تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة.
ويتم ذلك من خلال استثمار العقل البشري المبدع، وتوظيف البحث العلمي المنهجي.
وتنشيط أنماط التفكير المختلفة، والاعتماد الكلي على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ويرتكز الاقتصاد المعرفي المتين على ثلاثة أمور وركائز أساسية لا غنى عنها.
هذه الركائز هي: المعرفة، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وكادر بشري مؤهل ومبدع.
تعريف إجرائي لاقتصاد المعرفة
وعليه، يمكن تعريف الاقتصاد المعرفي بشكل جامع بأنه العلم الذي يعتمد على الكفاءة البشرية.
كفاءة في الحصول على المعلومات، وإدارتها، وتوليد معرفة جديدة ومشاركتها.
من خلال الاستغلال الأمثل لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتوظيف البحث العلمي.
بهدف الوصول إلى التنمية المستدامة التي تنشدها وترجوها المجتمعات المتقدمة.
أهداف التربية والتعليم في ضوء متطلبات الاقتصاد المعرفي
إن التحول نحو اقتصاد المعرفة يفرض على النظم التربوية إعادة النظر في أهدافها.
وقد حدد الباحثان علي وحجازي أهداف تربية مجتمع المعرفة في المحاور التالية:
1- تأهيل الفرد لاعتراك الحياة المعقدة
لم تعد مهنة التعليم مقتصرة فقط على تلقين وتحصيل المعارف النظرية.
أو اكتساب المهارات الآلية البسيطة، وإنما تأهيل الفرد لاعتراك الحياة بقوة.
والانخراط العميق في التجربة الاجتماعية، وإعداده لمواجهة التعقد الشديد.
التعقد الذي بات يسود معظم جوانب الحياة المعاصرة ويزداد يوما بعد يوم.
وتهيئته للترحال المستمر بين دنيا الواقع وعوالم الفضاء المعلوماتي الافتراضي.
2- إثراء حياة الفرد ووجدانه
يتم ذلك من خلال إضفاء المعنى العميق والغاية السامية على حياة الإنسان.
وإثراء تجربته الحياتية سواء في بيئة عمله المهني أو أوقات فراغه.
وتنمية الذائقة الثقافية والجمالية لديه، ليتعلم كيف ينعم بجمال الطبيعة.
ويستشعر بهجة ومتعة اكتساب المعرفة الجديدة بشكل يومي ومستمر.
3- تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية
يسعى النظام التربوي للحد من مظاهر الاستبعاد الاجتماعي والتهميش.
وتحاشي ظهور أنواع جديدة من الطبقيات المجتمعية ذات الطابع المعرفي.
كالفجوة الرقمية التي تفصل بين من يمتلك التكنولوجيا ومن يفتقدها.
وتحقيق التماسك العضوي بين أفراد المجتمع وجماعاته وتعزيز التسامح.
4- تحقيق التنمية المجتمعية المستدامة الشاملة
التعلم المستمر مدى الحياة أصبح السند الرئيسي للتنمية المستدامة للمجتمع ككل.
نتاج التعليم التقليدي القائم على الحفظ سريعا ما يصيبه الهلاك وتتقادم معارفه.
وبالتالي تضمر الموارد البشرية التي تعد من أهم مقومات هذه التنمية.
ولا سبيل لتجاوز ذلك إلا من خلال نظام تعليمي يضمن مداومة تنمية الموارد البشرية.
مهارات العصر الحديث للمتعلم
إضافة لما سبق، فإن أهم أهداف التربية الحديثة هي إكساب الفرد مهارات التعلم الذاتي.
ليستمر في تعلمه مدى الحياة، وتزويده بالمعارف والمهارات الوظيفية التطبيقية.
بالإضافة إلى غرس القيم الإيجابية التي تضبط وتوجه سلوكه الإنساني.
ليحقق المواطنة الصالحة ويصبح عضوا فاعلا ومنتجا في مجتمعه.
المناهج الدراسية وهندستها في ظل الاقتصاد المعرفي
يمثل التراكم المعرفي الهائل تحديا كبيرا أمام مخططي المناهج الدراسية.
لذا يجب الانتقاء الدقيق والذكي من المعارف المتعددة واختيار أنسبها وأصلحها.
بما يخدم قضايا ومشكلات التنمية، ويعين المتعلم على فهم الإيجابيات في ثقافة العالم.
كما يجب معالجة وتضمين المعرفة داخل الكتب المدرسية بشكل يستثير تفكير المتعلم.
وأن تكون موجهة له بلغة المخاطب وبأسلوب تربوي يقوم على الإقناع أو التبرير المنطقي.
مع ضرورة التركيز المكثف على الأنشطة المنهجية التفاعلية والتمارين والمشاريع.
التي تساعد المتعلم وتوجهه للاعتماد على الذات في البحث والتقصي والاطلاع.
تغيير أساليب القياس والتقويم
يؤكد إبراهيم وسعادة على أهمية التقليل من الكم المعرفي المتكدس.
والتركيز على المعارف الحديثة والمعاصرة، وتغيير أساليب القياس والتقويم.
بحيث يتم تقويم المتعلم في المعرفة التي تفاعل معها للتأكد من اكتسابه للمهارات العليا.
بدلا من تقويم المعرفة في المتعلم للوقوف على الكم المعرفي الذي استوعبه للحفظ فقط.
المناهج ووظيفتها في عصر الاتصالات
أشار الهاشمي والعزاوي إلى حتمية بناء المناهج الدراسية بطريقة وظيفية.
بحيث تعمل على إكساب الفرد المهارات الضرورية للتأقلم السريع مع متطلبات العصر.
مع ضرورة تكييف المنهج وتحديث محتواه لعصر ثورة الاتصالات والمعلومات الرقمية.
وتهيئة الطلبة للعيش في الزمن القادم والتكيف معه، ومراعاة الفروق الفردية بين الطلاب.
وأضافت النصار أن المناهج في ظل الاقتصاد المعرفي ينبغي أن تتمحور حول المتعلم.
فتلبي حاجاته، وتستجيب لميوله واهتماماته، ويجد فيها المتعلم فرصة للتعلم الذاتي المستمر.
ويتعلم كيف يتعلم، كما يجب أن تقدم المناهج في أوعية متعددة تستثير حواس المتعلم.
ليتفاعل معها من خلال وسائل تعليمية متعددة الوسائط، وأن تكون ذات مرجعية عالمية.
تسمح بالتبادل المعرفي والعلمي عبر الثقافات، وتمكن المتعلم من التنافس من أجل المعرفة.
مع الحرص التام على الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية الأصيلة.
الخاتمة والتوصيات التربوية
بناء على ما سبق تفصيله، لا بد من التقويم المستمر للمناهج الدراسية.
بحيث تستوعب بفاعلية ما يطرأ من مستجدات في المجال المعرفي والتكنولوجي.
إلى جانب استيعاب الاتجاهات التربوية والنفسية الحديثة، وأن تتضمن احتياجات المتعلمين.
وكذلك تعكس حاجات مجتمعهم المحلي ومشكلاته وقضاياه الوطنية الملحة.
وأن تقودهم إلى تطبيق ما تعلموه نظريا في حياتهم الواقعية خارج أسوار المدرسة.
حتى تصبح المعرفة التي يتلقونها لها قيمة وظيفية نفعية في تحسين حياتهم.
كما ينبغي أن تسهم المناهج في تنمية قدرات الطلبة العقلية، ومهارات التفكير الناقد والإبداعي.
ومهارات حل المشكلات، بالإضافة إلى غرس القيم الإيجابية التي توجه وتضبط سلوكهم.
أثناء استخدام التكنولوجيا، والبحث عن المعارف، ومشاركتها مع الآخرين حول العالم.
المراجع العلمية المعتمدة
- إبراهيم، عبد الله وسعادة، جودت (2014). المنهج المدرسي المعاصر. دار الفكر.
- الجاموس، عبد الرحمن (2013). إدارة المعرفة في منظمات الأعمال وعلاقتها بالمداخل الإدارية الحديثة. دار وائل للطباعة.
- ربحي، كريمة (2018). التحول نحو الاقتصاد المعرفي. المجلة المصرية لعلوم المعلومات، 5(1)، 85-122.
- علي، نبيل وحجازي، نادية (2005). الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة. عالم المعرفة.
- المنعم، هبة وقعلول، سفيان (2019). اقتصاد المعرفة: ورقة إطارية. صندوق النقد العربي. الإمارات.
- مؤتمن، منى (2005). دور النظام التربوي الأردني في التقدم نحو الاقتصاد المعرفي في الأردن. مجلة رسالة المعلم، 43(1)، 12-21.
- النصار، انتصار (2016). دور التعليم الثانوي في تحقيق متطلبات مجتمع المعرفة في مدينة بريدة بالسعودية. مجلة كلية التربية بجامعة المنوفية، 31(3)، 203-223.
- الهاشمي، عبد الرحمن والعزاوي، فائز (2007). المنهج والاقتصاد المعرفي. دار المسيرة للنشر والتوزيع.
- Foray, D. (2004). The Economics of knowledge. Studies in Higher education, 22(4), 457-462.
التعليقات