الانتحال الذاتي (Self-Plagiarism) وأثره المدمر على البحث العلمي

اخر تحديث:
كتب بواسطة:
إشراقة معرفية ناشر موثوق

محتويات المقال

أرحب بكم مجددا في مدونة إشراقة معرفية التربوية.

معكم الدكتورة فوزية آل مدهش، الباحثة الأكاديمية.

يعد البحث العلمي الرصين وسيلة هامة لتقدم الأمم والشعوب.

وهو الدعامة الأساسية للاقتصاد والتطور والتنمية المستدامة للمجتمعات الحديثة.

وقد ازدادت الحاجة إليه بشكل غير مسبوق في هذا العصر المتسارع.

أصبح التنافس بين الدول المتقدمة في الاهتمام به كبيرا جدا.

والانفاق عليه بسخاء، إيمانا منها بأهميته في استمرار تقدمها.

وتحقيق رفاهية شعوبها والمحافظة على مكانتها بين الأمم المتقدمة.

والبحث العلمي الجيد لابد أن يُنشر في مجلات أو مؤتمرات محكمة.

حتى يتسنى للباحثين الآخرين الاطلاع عليه والبناء عليه.

لأن المعرفة الإنسانية تراكمية يُبنى جديدها على قديمها دائما.

إلا أن هذا التقدم التكنولوجي صاحبه إشكاليات أخلاقية خطيرة جدا.

إشكاليات تضعف البحث، وتثبط الباحثين، وتقتل روح الإبداع والابتكار.

ومن أخطر هذه الممارسات الانتحال العلمي بجميع صوره وأشكاله.

ماذا يعني الانتحال العلمي بصفة عامة؟

الانتحال في اللغة مصدر مشتق من الفعل نَحَلَ ومصدره انْتَحَلَ.

ونحل الشيء ادعاؤه لنفسك في حين أنه مملوك للغير (ابن منظور).

وقد أطلقت مسميات عديدة على ظاهرة الانتحال في الأوساط الأكاديمية.

منها: القرصنة، والسرقة العلمية، والسطو الأكاديمي، والاستلال غير المشروع.

يشير الانتحال لأي شكل من أشكال النقل غير القانوني للمعلومات.

ويعني أن تأخذ عمل شخص آخر وتدعي بكل جرأة أنه عملك.

وهو عمل خاطئ ومرفوض سواء كان متعمدا مع سبق الإصرار أو غير متعمد.

عبارة عن تملك بصورة غير شرعية لأفكار أو عبارات مؤلف آخر.

حماية الملكية الفكرية دوليا ومحليا

نظرا لخطورة الانتحال، نشأت منظمات دولية ومحلية لحماية المؤلفين.

أخذت على عاتقها حماية الإنتاج الذهني والفكري من الاعتداء والتجاوز.

بدأ الاهتمام بالملكية الفكرية لأول مرة دوليا في اتفاقية باريس 1883م.

ومن أهم المنظمات الدولية المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO).

أُنشئت عام 1967م وتضم حوالي 180 دولة لتنسيق حماية الملكية.

وقد انضمت المملكة العربية السعودية إلى اتفاقية إنشائها عام 1982م.

ووقعت عددا من المعاهدات الدولية كمعاهدة برن لحماية المصنفات الأدبية.

وعلى الصعيد المحلي، أنشأت حكومة المملكة الهيئة السعودية للملكية الفكرية.

وهي السلطة الوحيدة المختصة بتنظيم مجالات الملكية ودعمها وحمايتها وإنفاذها.

لضمان الارتقاء بها وفق أفضل الممارسات والمعايير العالمية المعتمدة.

مفهوم الانتحال الذاتي: السرقة الخفية

لا يقتصر الانتحال على سرقة أعمال الآخرين كما يظن البعض.

هناك نوع آخر من الانتحال يغفل عنه الكثير من الباحثين.

خصوصا طلبة المرحلة الجامعية والدراسات العليا والباحثين المبتدئين.

ألا وهو الانتحال الذاتي (Self-Plagiarism).

يعرف رويج (Roig, 2005) الانتحال الذاتي تعريفا أكاديميا دقيقا.

يحدث عندما يقوم المؤلفون بإعادة نشر أعمال كتابية لهم.

أعمال تم نشرها من قبل في شكل كتابي أو مقال جديد.

بدون إعلام القارئ والمحكم بأن تلك المادة قد تم نشرها سابقا.

وعرفه الجندي (2014) بأنه قيام الباحث بإعادة أفكار كتبها ببحث آخر.

وتقديمها في عمل جديد دون الإشارة للمصدر الأول مطلقا.

وبهذه الحالة يكون الباحث سارقا لنفسه ومجهوده السابق.

وهذا الوضع لا يعفيه أبدا من المساءلة القانونية والأكاديمية.

وأعرفه إجرائيا بأنه قيام طالب الدراسات بإعادة نشر بحث سابق.

أو تقديم واجب من الواجبات السابقة في مقررات أخرى جديدة.

وتقديمه على أنه عمل جديد ومبتكر دون أن يكلف نفسه عناء التجديد.

أشكال وصور الانتحال الذاتي في الأكاديميا

الانتحال الذاتي لا يأخذ شكلا واحدا، بل يتلون بعدة أشكال.

أشار الخبراء إلى أن الانتحال الذاتي يتخذ الصور التالية:

  • إعادة نشر نفس الورقة البحثية في مكانين مختلفين بدون إعلام الناشر.
  • تجزئة الدراسة الواحدة الضخمة إلى عدة منشورات صغيرة لزيادة عدد الأبحاث.
  • إعادة استخدام أجزاء كبيرة من نص كتابي سابق منشور أو غير منشور ببحث جديد.
  • الانتحال المجازي: وهو أن يعيد الكاتب صياغة نصوصه السابقة بكلمات جديدة دون ذكر المصدر.
  • إعادة تقديم واجبات وتكليفات جامعية سابقة في مقررات دراسية جديدة للحصول على درجات.

ما هي الأسباب التي تدفع الباحث للانتحال الذاتي؟

لماذا يقوم الباحث المتعلم بهذا السلوك المرفوض؟

ذكر رجب (2016) سببين يدفعان الطلاب والباحثين لهذا السلوك:

الأول: مطالبة الطالب بتكليفات عديدة قبل الاختبارات بفترة وجيزة.

مما يضع الطالب تحت ضغط عامل الوقت الهائل، فيلجأ للأسهل.

الثاني: اعتقاد الطالب بأن المشرف على البحث لن يلتفت للانتحال.

وأشار رداد (2017) إلى عدم معرفة الطريقة الصحيحة للاقتباس.

والاستشهاد بالمراجع قد يكون من أسباب اللجوء للانتحال الذاتي.

ويتفق معه عيساني (2018) بأن عدم التمكن من فنيات البحث سبب رئيسي.

وأضاف باحثون آخرون أسبابا تتعلق بضغط الترقيات الأكاديمية.

الضغط الهائل على أعضاء هيئة التدريس لنشر دراساتهم بسرعة.

للحصول على الترقية العلمية والتمويل البحثي بأي ثمن كان.

وأضيف لذلك: جهل بعض الطلبة بالعقوبات المترتبة على الانتحال.

طرق عملية لتجنب الوقوع في الانتحال الذاتي

كيف يحمي الباحث نفسه من هذا الفخ الأكاديمي الخطير؟

أشار رويج (2005) لإرشادات هامة يجب الالتزام بها:

  • عند تقديم ورقة تحتوي على بيانات منشورة سابقا، يجب إبلاغ المحررين بوضوح.
  • تقديم نتائج الدراسة بشكل كامل وشامل وعدم تجزئتها لأكثر من منشور بغرض التكسب.
  • الاستشهاد الذاتي: إذا استخدمت فقرة من بحثك السابق، ضعها بين علامتي تنصيص واذكر المرجع.
  • طلب إذن من الناشر السابق إذا كنت بحاجة لاستخدام رسم توضيحي دقيق من عملك.
  • لأن ملكية الأوراق تنتقل بعد نشرها من المؤلف إلى دار النشر بموجب العقود الموقعة.

أشهر برامج كشف الانتحال العلمي عالميا

نظرا لخطورة الظاهرة، طورت الشركات برامج حاسوبية ذكية جدا.

تستخدمها كبرى الجامعات والمجلات للتأكد من خلو الأبحاث من الانتحال.

من أشهر هذه البرامج المعتمدة في الأوساط الأكاديمية:

1- برنامج Turnitin (تيرن إت إن)

هو البرنامج الأكثر انتشارا واعتمادا في الجامعات العربية والعالمية.

تحتوي قاعدة بياناته على أكثر من 23 مليار صفحة إنترنت وملايين الأبحاث.

يعمل البرنامج على مقارنة الواجبات بالأعمال الأخرى المنشورة بدقة متناهية.

يقدم تغذية راجعة ملونة للباحث توضح نسبة التشابه والمصادر الأصلية المنسوخ منها.

ومن أهم مزاياه للباحث العربي أنه يدعم اللغة العربية بكفاءة عالية جدا.

2- برنامج iThenticate

موقع عملاق تستخدمه دور النشر العالمية الكبرى مثل Elsevier و Springer.

يقارن العمل بأكثر من 50 مليار صفحة إنترنت و40 مليون بحث علمي منشور.

القرار يرجع في النهاية لمحرر المجلة بعد رؤية تقرير التشابه الملون.

المجلات الرصينة ترفض البحث فورا إذا تجاوزت نسبة التشابه الحد المسموح.

3- برنامج Dupli Checker

برنامج مجاني ومبسط، يناسب الطلاب للتحقق السريع من نصوصهم القصيرة.

لا يتطلب سوى القص واللصق لمحتوى الدراسة والضغط على زر الفحص.

يقوم بكشف الأخطاء اللغوية والإملائية أيضا، ولكنه غير مدعوم بالعربية جيدا.

العقوبات المترتبة على ارتكاب الانتحال الذاتي

قضية الانتحال الذاتي تعد قضية أخلاقية وقانونية كبيرة.

تقوم الجهات المسؤولة بإلحاق عقوبات صارمة بالباحثين المخالفين.

ومن هذه العقوبات التي تطبقها الجامعات والمجلات العلمية:

  • إلزام المؤلف بسحب المخطوطة سواء كانت منشورة أم قيد التحكيم.
  • إزالة المنشور من قوائم المجلة مع وضع مصطلح "تراجع" أو "Retracted" بجواره، مما يدمر سمعة المؤلف.
  • البدء بإجراءات سحب الدرجة العلمية (الماجستير أو الدكتوراه) من الجامعة المانحة للشهادة.
  • إعلام المؤسسات والجامعات الأخرى الممولة للمشاريع بسوء السلوك العلمي للباحث لمنع تمويله مستقبلا.

أثر الظاهرة على البحث العلمي في الوطن العربي

يعد الانتحال من الممارسات المنافية للجدية والمصداقية المطلوبة بالبحث.

هذا السلوك يضعف الأعمال ويجعلها نسخا متكررة لا تأتي بجديد مفيد.

أشار الدهشان (2018) إلى أن انتشار الانتحال دليل على تدني المستوى الأكاديمي.

يؤثر سلبيا في عمل الباحثين الشرفاء الذين يقضون السنوات في المختبرات.

ويجعل الأبحاث اجترارا لما نشر سابقا فلا تضيف جديدا للمعرفة الإنسانية.

كما يعد من الأسباب الرئيسية لتأخر تصنيف الجامعات العربية عالميا.

وفي السعودية، أدركت الجامعات خطورة الظاهرة فكثفت دوراتها التوعوية.

أصدرت المؤسسات كمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم أدلة لضوابط الأمانة العلمية.

الخاتمة وتوصيات للباحثين والمؤسسات الأكاديمية

الانتحال ظاهرة خطيرة تهدد بنية البحث العلمي ومصداقيته الميدانية.

للتقليل من هذه الظاهرة، أقترح التوصيات المنهجية التالية:

  • غرس منهجية البحث وأخلاقياته في الطلبة منذ مراحل التعليم العام المبكرة.
  • تكثيف تدريب طلبة الدراسات العليا على فنيات الاقتباس والتوثيق العلمي الصحيح (كطريقة APA).
  • تطبيق العقوبات القانونية بصرامة على المخالفين لردع البقية عن تكرار السلوك.
  • تطوير برامج كشف انتحال ذكية تدعم اللغة العربية بقوة أكبر من الموجودة حاليا.

وأخيرا، على الباحث أن يراقب الله في السر والعلن، ويستشعر قيمة الأمانة.

شكرا لمتابعتكم مدونة إشراقة معرفية، وأرحب بتعليقاتكم حول الموضوع أدناه.

المراجع العلمية المعتمدة

  • ابن منظور، محمد (1976). لسان العرب. دار المعارف.
  • بو عيسى، حنان (2020). استخدام برنامج كشف الانتحال العلمي ومدى مساهمته في محاربة السرقة. مركز جيل البحث العلمي، (39)، 91-108.
  • الجندي، محمود (2014). برامج اكتشاف الانتحال في البيئة الرقمية المتاحة عبر الويب. المجلة الدولية لعلوم المكتبات، 1(2).
  • الدهشان، جمال (2018). محاربة السرقات العلمية مدخلا لتحقيق جودة البحث التربوي العربي. مجلة اتحاد الجامعات العربية، 16(4).
  • رجب، فوزي (2016). الانتحال العلمي. منظمة المجتمع العلمي العربي.
  • رداد، أشرف (2017). السرقات العلمية في المكتبات الجامعية دراسة مسحية. المجلة المصرية لعلوم المعلومات، 4(2).
شارك المقال:
كاتب ومدون

كاتب ومدون في هذا الموقع، يهتم بتقديم محتوى حصري ومفيد للقارئ العربي.

التعليقات